بورتريه

الطاهر شريعة.. التونسي الحالم

وسيم القربي

يرجع للطاهر شريعة الفضل في إخراج الفن التونسي إلى النور.

حينما تخلق الصدفة بداية حياة، وينسج الشغف بداية انطلاق فن شعب بأكمله، فنحن بصدد الحديث عن “الطاهر". فالصدفة التي ساقته لدخول إحدى قاعات السنيما في صغره، هي ذاتها التي قادته لأن يصبح رئيس مصلحة السينما بوزارة الثقافة، حتى تأسيسه مهرجان قرطاج بوابه عبور الفن التونسي إلى العالم.

"لم أسع إلى شيء ولكن الصدفة وحدها نسجت مختلف المحطات" هكذا قال الطاهر في إحدى حواراته، تلك الصدفة التي أحيت الفن التونسي وأخرجته إلي النور.

ولد الطاهر شريعة بصيّادة في 27 يناير 1927، توحي ملامحه بشخصيّة صامتة، تتميّز نظراته بالهدوء لكنّ دواخله تتأجّج عشقا وثورة، وهو ما تترجمه تلك الرغبة الجامحة في النهوض بالفنّ السينمائي، ولعلّ إطلاق لقب رائد السينما التونسية والإفريقية ليس تضخيما لذاته بقدر ما هو واقع من أيّام الكفاح.

درس "شريعة" الآداب العربية، وانخرط بمدينة صفاقس أوّل نادٍ سينمائي سنة 1946 المسمّى "لويس لوميير"، قبل أن يحمل اسمه سنة 1999. لم تكن السينما آنذاك من ضمن الاهتمامات التونسية حيث اقتصرت الإنتاجات على ولع ألبرت سمامة شيكلي بالآلة السينمائية في بداية العشرينيات وإنجازه لفيلمين قصيرين (عين الغزال- زهرة) وبعض الأفلام الوثائقية التي اهتمّت بالتوثيق العسكري أساسا، وبعض الأفلام الأخرى المقلّة مثل فيلم "مجنون القيروان" لـ"جون كروزي" والذي شكّل البداية الفعلية لانخراط التونسيين في الأعمال السينمائية، ونذكر على سبيل المثال محي الدين مراد، فليفلة شامية، محمد الجموسي...

أنتج هذا الحراك الثقافي بداية من الثلاثينيّات محاولات تونسية لإنبات شذرات من السينما، وأفرز الدخول التدريجي للتونسيين مجموعة من التجارب الجريئة، من بينها تجربة الطاهر شريعة الذي أسهم في تأسيس الجامعة التونسية لنوادي السينما سنة  1950 وترأسها، وهو ما كان له وقع على مزيد إقحام الشباب والمثقفين التونسيين في المجال السينمائي. غير أنّ الحضور التونسي اقتصر على الفرجة والمشاهدة باعتبار أنّ المستعمر الفرنسي كان حريصا على جعل الفنّ السينمائي حكرا على رعاياه المقيمين في تونس وعلى النخبة التونسية المقرّبة من المستعمر، بالإضافة إلى سعيه للتسويق الثقافي للحضارة الغربية داخل المجال التونسي.

تجربة نوادي السينما، وإن أسهمت بصيغتها في المجال الفرجوي والنقدي، حيث كانت تُعرض الأفلام الأوروبية خاصة لتتمّ مناقشتها، فإنّ نقاشها في صلب النوادي كان باللغة الفرنسية وتحت إدارة مجموعة من الأساتذة الفرنسيين.

خصوصيّات المشروع الجمالي والفكري للسينما التونسية: رؤية المؤسّس

لم يكن لقب " الأب الروحي " الذي أُطلق على الطاهر شريعة لقبا اعتباطيّا، بل إنّ هذا المصطلح نابع ممّا قدّمه شريعة للسينما التونسيّة. لقد بادر شريعة بفكرة نوادي السينما وأظهر شغفه بهذا الفنّ، وقد ساعدته تلك اللمسات الأولى في تحسّس خارطة هذا المشروع الثقافي ومكنّته رؤيته الأولى في إنضاج المسار الفكري المزمع. مباشرة بعد الاستقلال، كبرت أحلام الطاهر شريعة وسعى إلى توضيح رؤاه من خلال اشتغاله في صلب وزارة الشؤون الثقافية والإعلام ليكون أحد روافد تأسيس السينما الوطنيّة.

ساهم الطاهر شريعة وعصمان صمبان في تأسيس ثالث مهرجان إفريقي وهو "مهرجان السينما الإفريقيّة بخريبكة" بالمغرب

التونسة:

إثر الاستقلال بدأت تونس في إعادة الترميم عبر مجالات متعدّدة من بينها المشاغل الثقافيّة، وباعتبار أنّ السياسة البورقيبيّة توجّهت نحو التونسة والاستفادة من الكفاءات المحليّة تدريجيّا، فقد اهتمّت السياسة الثقافيّة إلى تأسيس سينما تونسيّة. شغل الطاهر شريعة إدارة قسم السينما في صلب وزارة الشؤون الثقافية والإعلام، حيث اتجهت الاستراتيجية الثقافية في إنشاء البنيات الثقافيّة ومن بينها السينما، فتمّ سنّ مجموعة من القوانين التي تنظّم الهياكل الإبداعية بداية من سنة 1962، كما تمّ تأسيس مهرجان سينما الهواة بقليبية سنة 1964، بالإضافة إلى تأسيس التلفزة التونسية في نفس السنة.

ولعلّ أحد أهمّ الرؤى التي حقّقها الطاهر شريعة هو تأسيسه لأيّام قرطاج السينمائيّة سنة 1966، حيث وجد الظروف المواتية لتأسيس أوّل مهرجان عربي وإفريقي محترف. نجح شريعة في إقناع وزير الشؤون الثقافية والإعلام آنذاك، الشاذلي القليبي، في تأسيس مهرجان سينمائي يكون بمثابة احتفاء بمختلف الأفلام العربيّة والإفريقيّة قصد تمكين سينمائيّي الجنوب من الالتقاء وعرض أفلامهم.

من جهة أخرى، أطلقت وزارة الشؤون الثقافية والإعلام إعلانا لدعم أوّل فيلم سينمائي تونسي طويل، وتمّ اختيار سيناريو عمار الخليفي حيث شارك الطاهر شريعة معه كمستشار في السيناريو، وحاول أن يتمّ عرضه خلال الدورة الأولى لأيام قرطاج السينمائية التي انعقدت آنذاك في شهر ديسمبر 1966، غير أنّ فيلم الفجر لعمار الخليفي لم يجهز فعليّا إلا سنة 1967 حيث تمّ عرضه بمناسبة عيد الاستقلال في 20 مارس 1967.

واصل شريعة تشجيع السينمائيين الشباب وأسهم في خلق انتعاشة سينمائية في تونس لا سيّما بعد النجاح الباهر للدورة الأولى لأيام قرطاج السينمائية، غير أنّ رؤى شريعة السينمائية بدأت تقلق السلطة، خاصّة بعد رسمه لخطّة سينمائية تنتصر كليّا للسينما التونسيّة، حيث أراد تغيير التشريعات قصد تحقيق تونسة حقيقيّة، فإصراره على تغيير هذه التشريعات وخاصّة الاتفاقيات الأمريكيّة مع قاعات السينما التي فاق عددها 150 قاعة، فقد أراد الطاهر شريعة عرض أفلام تونسيّة قصيرة كلّ ثلاثة أشهر في القاعات السينمائية غير أنّ ذلك لاقى رفضا صارما أدّى به إلى عقاب من طرف الرئيس بورقيبة وحوكم بالسجن لمدّة ستّة أشهر.

شغل الطاهر شريعة موازاة مع ذلك مهمّة خبير لدى اليونيسكو مختصّ بالتلفزيون والسينما بالمنطقة العربيّة، كما عُيّن كمسؤول عن الحركة الثقافيّة لدى المنظمة الدوليّة للفرنكفونيّة.

شهدت تونس خلال فترة الستينيّات حركة سينمائيّة ناجحة بامتياز، كما نجح الطاهر شريعة من موقعه في رسم الأسس الجمالية والفكريّة للسينما التونسيّة بما جعلها حاملة لخصوصيّات متفرّدة وضوابط نضاليّة أبرزها فكره المضادّ وقلقه الثقافي.

ضوابط الأرضيّة الثقافية:

تتأسّس النظرة الإبداعيّة للطاهر شريعة على انتماء نضالي وطني وميول يساري يناهض الرؤى الظلاميّة، وهو ما تمسّك به الرّاحل إلى أخر رمق قبل وفاته. وهذا الفكر اليساري نابع من التصوّر الإيديولوجي وثوابت مرجعيّاته، وقد ترجمت رؤاه الثقافيّة انتصاره للسينما النضاليّة التي تعبّر عن ثورة على الموروث ومقاومة للإرث الاستعماري ليجعل رؤيته الحداثيّة انطباعا وسم السينما التونسيّة إلى يومنا هذا. القلق الثقافي الذي عبّر عنه الطاهر شريعة هو رغبة انتعشت لتنتصر لتونس المستقلّة، وهذا الفكر الحداثي قائم على اطلاعه على الحضارة الغربيّة ومحاولة الاستفادة منها. لقد قام المشروع الفكري والجمالي التأسيسي لمجموعة من الضوابط التي مثّلت أرضيّة ثقافيّة كانت بمثابة الإطار النظري للسينما التونسية والتي يمكن أن نحصرها في النقاط التّالية:

  • الانتصار للسينما الوطنيّة.
  • القطع مع التوجّه السينمائي السّوقي والتجاري.
  • الالتزام بالتوجّهات الفكريّة والإيديولوجيّة.
  • الانحياز للمسار المضادّ بعيدا عن يد السلطة.
  • البعد التحرّري للصورة السينمائيّة.
  • القلق الفكري والتجديد الإبداعي.
  • الاتجاه الفكري نحو خصائص جماليّة لسينمات الجنوب والالتزام بالمبادئ المناهضة للرؤى الاستعماريّة.

ما يعنيه هذا أنّ رؤية شريعة الحداثيّة هي رؤية وطنيّة تقطع مع التوجّهات الاستعماريّة ورواسبها ما بعد الاستقلال، وذلك قصد صدّ الاستعمار الثقافي أو الاستعمار الجديد، وبالتالي فإنّ السينما التونسيّة يجب أن تحمل في مضمونها صورا تبتعد عن التصوّر الفولكلوري والنظرة التسييحيّة التي صوّرتها الأفلام الكولونياليّة. ولعلّ هذا التوجّه تبرزه أفلام الستينيّات والسبعينيّات التي كانت مواكبة للحركة اليساريّة في تونس حيث تمّ إخراج مجموعة من الأفلام التي تهتمّ بالملاحم النضالية للتونسيين في مقاومة الاستعمار على غرار أفلام عمار الخليفي وأخرى مثل "سجنان" لعبد اللطيف بن عمّار و"شمس الضباع" لرضا الباهي. لقد كان فكر الطاهر شريعة مواكبا لفكر الشباب التونسي آنذاك وهو ما ارتسم في أفلام أخرى حملت مواصفات متحرّرة ومجموعة من التصوّرات القلقة التي أدّت إلى منع بعض الأفلام مثل فيلم "العتبات الممنوعة" لرضا الباهي، ولعلّ الرؤية الأساسيّة للمشروع الفكري التي تأسّست بمقتضاه السينما التونسيّة هي تلك النظرة الثوريّة التي تتتأسّس على جملة من المقوّمات والبنيات بشكل يجعل السينما خطابا فكريّا وثقافيّا غير منعزل عن السّياسة، بل إنّ الصورة يجب أن تكون ذات وظيفة ناقدة، وهو مسار التزمت به السينما التونسيّة وميّز أغلب سينمائيّي تونس طيلة المحطّات التاريخيّة لسينما ما بعد الاستقلال.

الطاهر شريعة ورفيق دربه عصمان صمبان

سينما الجنوب والانتماء للبعد الإفريقي:

لم يتوقّف الطاهر شريعة على عند حدود الاشتغال الثقافي في تونس، فبعد أن جعل قرطاج فضاء يلتقي فيه مبدعو إفريقيا والعرب كلّ سنتين لعرض إنتاجاتهم وتبادل أفكارهم والاطلاع على التجارب السينمائيّة والتلاقح الفكري والجمالي، أسّست تجربته لتصوّرات أعمق وانفتح على البعد الإفريقي ليبحث عن تفعيل الانتماء للقارّة السمراء خاصّة بعد تكوين علاقات سينمائيّة عميقة مع المخرجين الأفارقة الذين كانوا يشاركون في أيام قرطاج السينمائيّة، وهو ما ترجمها من خلال رحلاته نحو الهامش الإفريقي فكان مرجعا نظريّا لسينمائيي إفريقيا وساهم في التفعيل الإبداعي داخل أرجائها.

نشر الثقافة السينمائية

مثّل الانتساب لإفريقيا دلالة انتماء لهذه القارّة، فبينما كانت العديد من الدول الإفريقيّة بصدد الاستقلال والتحضير لمرحلة سياديّة جديدة، خطت تونس خطوة مهمّة نحو الحداثة، وقد التزم شريعة بضوابطه المنتصرة لتحرّر الشعوب وحقّها في الثقافة فانشغل بهمومها وترجم تصوّراته الثقافيّة ونقلها هناك. سافر الطاهر شريعة إلى العديد من الدول الإفريقية مثل السينغال وبوركينافاسو وجمعته علاقة صداقة قويّة بالمخرج السينغالي "عصمان صمبان" الذي توّج بفيلمه "سوداء يا" بالتانيت الذهبي للدورة الأولى لأيّام قرطاج السينمائيّة سنة 1966، وأسّسا رفقة مجموعة من الشغوفين بالسينما الإتحاد الإفريقي للمخرجين سنة 1970 ببوركينا فاسو لجعله هيكلا يجمع مخرجي إفريقيا، كما ساهم شريعة في خلق حركة سينمائيّة بإفريقيا ولا سيّما ببوركينافاسو حيث كان أحد الفاعلين في تأسيس "أسبوع السينما الإفريقية" سنة 1969 قبل أن يتحوّل سنة 1973 تحت مسمّى "مهرجان السينما الإفريقيّة بواقادوقو" ويماثل أيّام قرطاج السينمائيّة بانعقاد دورة كلّ سنيتين. لقد كان الهدف الأساسي للحركة السينمائيّة نشر الثقافة السينمائيّة في العمق الإفريقي وتحرير الشاشة من الاستعمار الغربي، ليساهم شريعة في تأسيس ثاني مهرجان إفريقي.

لم يتوقّف الطاهر شريعة وعصمان صمبان عن رحلاتهما السينمائيّة ليساهما في تأسيس ثالث مهرجان إفريقي وهو "مهرجان السينما الإفريقيّة بخريبكة" بالمغرب، حيث اقتدى نور الدين الصايل بتجربة نوادي السينما في تونس ليتمّ انعقاد أوّل دورة سنة 1977.

لقد أبرزت التجربة نظرة الطاهر شريعة وانتسابه لسينما إفريقيا والسينمات الوطنيّة وأسهمت في خلق حركيّة سينمائيّة ذات أهداف ثقافيّة، كما أنّ انشغاله بنشر الثقافة السينمائيّة سمح بالتجريب ووضع الأسس، وهو ما جعل نضاله الثقافي ينطبع بالتنظير من خلال مقالاته وكتاباته.

توفي الطاهر شريعة يوم 4 نوفمبر 2010 تاركا بصمات سينمائية خالدة، وفي حين شهد مهرجان أيام قرطاج السينمائية انتكاسة فكرية جعلته يتماهى مع بقية المهرجانات ويفقد خصوصياته، يسعى القائمون على هذا المهرجان إلى إعادته إلى سالف بريقه من خلال محاولة العودة للأصول، وقد تمكن المخرج التونسي محمد شلوف من إنجاز فيلم وثائقي عن مسيرة الطاهر شريعة عنونه "الطاهر شريعة في ظل شجرة الباوباب"، وهو يعتبر وثيقة مهمة عن مسيرة هذا السينمائي وعن استنبات السينما في إفريقيا.

توفي شريعة عام 2010 بعد رحلة فنية حافلة.

قد ينال إعجابكم

أخبار

مهرجان السينما التونسية

أعلنت جمعية مخرجي الأفلام التونسية عن تأسيس "مهرجان السينما التونسية" الذي سيقام خلال الفترة المتراوحة بين 1 و5 ماي...