حوارات

بن مهيدي.. بطل جزائري أرعب فرنسا والسينما

محمد علال

أحيت الجزائر في مارس الماضي الذكرى الستين لاستشهاد المناضل الجزائري "العربي بن مهيدي" 1923-1957. وذلك بالتزامن مع أحلام سينمائية كبيرة، حيث يعتبر مشروع فيلم "العربي بن مهيدي" أحد أكثر الأفلام العربية تعقيدًا من ناحية الإنتاج. تقف السينما الجزائرية أمام حكاية يحملها المنتج والمخرج الجزائري "بشير درايس" معه منذ إحدى عشر سنة. فقد واجه المشروع الكثير من المطبات التي اعترضت طريقه، ولا يزال يخطو خطوات متثاقلة نحو عرضه الأول الذي لم يحدد موعده حتى كتابة هذه الأسطر.

المنتج والمخرج الجزائري "بشير درايس" يرتدي قميص أزرق في مشهد من خلف الكواليس

حكاية الجزائر مع إنتاج فيلم يحكي تاريخ "بن مهيدي" -الذي يعد أحد أبرز قادة الثورة التحريرية الجزائرية- تشبه كثيرًا حكايته الحقيقية التي أذهلت الجلاد المستعمر الفرنسي. ففي مارس من عام 1957 اعتقل جيش المستعمر "العربي بن مهيدي"، وحاولوا أن يفتكوا اعترافًا أو تصريحًا منه يدلهم على رفاقه في جبهة التحرير الوطني. ولكن الجنرال الفرنسي "مارسيل بيجار" فشل في استنطاق "بن مهيدي ". رغم ما سلطه عليه من أبشع أنواع التعذيب. لكن البطل ظل يبتسم غير آبه بالألم، ما جعل الجنرال الفرنسي يقول:

"لو أن لي ثلة من أمثال العربي بن مهيدي لغزوت العالم".

ظل "العربي بن مهيدي"، حكاية تاريخية تحرج فرنسا حتى بعد استقلال الجزائر. فلم يكن من السهل تمرير سيناريو سينمائي عن "بن مهيدي" في ظل الفجوة التاريخية وضبابية المشهد. ففرنسا ظلت تتكتم على أرشيف الثورة. ولمدة أربعون عامًا كانت الطريقة التي قتل بها "بن مهيدي" سرًا من أسرار الجيش الفرنسي. إلى أن اعترف الجنرال "أوساريس" لصحيفة "لوموند" عام 2001 أنه هو من قتل "العربي بن مهيدي" شنقًا بيديه. ولم تكن تلك الحقيقة سوى قطرة من فيض لعشرات الحقائق التي لا تزال تتكتم عليها فرنسا، في مقابل تجديد الجزائر لمطلب إعادة أرشيف الثورة عند كل موعد للانتخابات الرئاسية الفرنسية. كما هو شأن تصريحات المسئولين الجزائريين هذه الأيام، حيث تشكل الثورة الجزائرية محورًا مهمًا في خطاب الجزائر تجاه الرئاسيات الفرنسية التي انعقدت شهر أبريل المنصرم.

"العربي بن مهيدي" وابتسامة التحدي، يعد أحد أبرز قادة الثورة التحريرية الجزائرية، اعتقل من طرف القوات الفرنسية نهاية شهر فبراير 1957

في كل هذه الأجواء السياسية والتاريخية، كانت المهمة جد صعبة أمام المخرج "بشير درايس" الذي أراد إنتاج فيلمًا عن الشهيد الجزائري. وكان يحلم بأن يرتبط اسم الشهيد "بن مهيدي" بفيلم يليق بمكانته. وقد أدرك المخرج الجزائري منذ البداية أن العملية ليست سهلة، وإنه سيتوه في دوامة البيروقراطية والقوانين ودهاليز التاريخ لفك شفرة تاريخ "بن مهيدي".

ويأتي اليوم الذي تقرر فيه الجزائر إنتاج الفيلم في ظل ظروف معقدة كرستها سياسية الإنتاج السينمائي الجزائري في السنوات الأخيرة. فقد تنازلت السينما الجزائرية عن برجها العاجي، منذ أن شاركت في إنتاج فيلم "معركة الجزائر" للمخرج الإيطالي الراحل "جيلو بونتيكورفو" عام 1966. واتجهت إلى إنتاج الأفلام بأقل تكلفة والتركيز على المشاهد الداخلية.

 "الجزيرة الوثائقية" التقت "درايس" في مكتبه بالجزائر العاصمة لمعرفة المزيد عن حكاية فيلم "بن مهيدي" والعودة بالذاكرة إلى بداية الفكرة وكيفية انطلاقها للمرة الأولى عام 2005.

كيف بدأت حكاية فيلم "العربي بن مهيدي"؟

بدأت حكاية "العربي بن مهيدي" في نهاية 2005، عندما شاهدت فيلمًا وثائقيًا على قناة" كنال بليس" اسمه " العدو الحميم". ضم الفيلم حوارًا مطولاً للجنرال الفرنسي "بول أوسارس". ولأنني أقطن في نفس الحي الذي يقطن به الجنرال في "مونبرناس" تحفزت إلى الحديث معه بشكل مباشر في أحد المقاهي. وقد طرحت عليه عدة أسئلة بخصوص "العربي بن مهيدي". وجمعت بعض الأفكار ثم اتصلت بالسيناريست والمخرج الجزائري "عبد الكريم بهلول" وطلبت منه أن يكتب سيناريو عن "بن مهيدي". في البداية رفض "بهلول" وقال إن الأمر معقد ولا يمكن الاعتماد فقط على شهادة "أوسارس" من أجل كتابة سيناريو الفيلم لأن هذا الأخير لا يعلم الكثير عن "بن مهيدي"، فهو يعرف فقط آخر أيامه بعد الاعتقال. ومنذ ذلك الوقت بدأت أجمع الأرشيف والكتب التي تتحدث بشكل أو بأخر عن "بن مهيدي". جمعت تقريبًا 85 كتابًا وقرأتها جميعها. وأجريت بحثًا معمقًا في الأنترنت ومكتبة التاريخ في "مرسيليا" ومكتبات "شان ميشال" بفرنسا، واطلعت تقريبًا على كل مذكرات الجنود الفرنسيين الذين كتبوا عن الجزائر. كنت أجد أحيانًا سطر أو سطرين عن "بن مهيدي".

كيف وجدت الفرق بين الكتب التي ألفها جزائريون، وتناولت حكاية "العربي بن مهدي" والكتب التي ألفها فرنسيون؟

 في ذلك الوقت لم يكن هناك أي كاتب جزائري قد ألف كتابًا كاملاً عن "العربي بن مهيدي"، بل حتى الآن لا يوجد مؤرخ جزائري ألف كتابًا شاملاً عن "العربي بن مهيدي". هناك كتاب للكاتب "خلفة معمري" ولكن كتب خفيفة المحتوى. كما أن هناك مؤلفات لـ "بن خدة" و"دحلب" وهي كتب كانت ممنوعة من دخول الجزائر. وبدأت بالاطلاع على الحوارات المصورة والمسجلة والكتب التي ألفها "بيجار" وغيرهم. لهذا اتصلت بالكاتب الجزائري "عمر بربون" الذي كان قد كتب سيناريو عن "بن مهيدي" ولكن النص لم يكن قويًا ولم يكن من الممكن أن يحول إلى فيلم.

ماذا قال لك "أوسارس" عندما التقيت به، هل أبلغته بفكرة الفيلم؟

نعم أبلغته بذلك ولم يتفاجأ، وقال:  “بن مهيدي بالنسبة لكم هو رمز وطني، والنسبة لي هو "فلاقة" وإرهابي". ولقد قدم لي أوسارس معلومات مكتوبة وأرقام هواتف الشخصيات الذين كانوا معه وقريبين من "بن مهيدي" في أيامه الأخيرة ولا يزالون على قيد الحياة.

اعترف الجنرال "أوساريس" لصحيفة "لوموند" عام 2001 أنه هو من قتل "العربي بن مهيدي" شنقًا بيديه

بدأت الفكرة عام 2006 بينما بدأت في كتابة السيناريو عام 2010، لماذا؟

لأنني كمنتج كنت منشغلاً بإنجاز أفلام أخرى، فأنا أفضل جمع المعلومات بتأني عن الأفلام التي أريد إنجازها. لذا لم نبدأ بكتابة سيناريو بن مهيدي بشكل رسمي إلا عام 2011 و2012، لأنه كانت لدينا العديد من الأسئلة. مثل كيفية تمويل الفيلم. هل ننجزه في فرنسا أم الجزائر؟ حيث إن كل منهما لديها وجهة نظر مختلفة تريد إبرازها في الفيلم.

كيف حصلت على الدعم المادي لإنتاج الفيلم؟

في عام 2011 تقدمنا إلى وزارة الثقافة الجزائرية، بطلب دعم إنتاج الفيلم إلى "أفداتيك" الذي كان يرأسه حينها "أحمد بجاوي" وحصلنا على الموافقة لإنتاج الفيلم. ولكن في ذلك الوقت اصطدمنا بتغيير في القوانين، حيث سُن قانونًا جديدًا في السينما الجزائرية يقضي بضرورة حصول أي فيلم يتناول موضوع الثورة الجزائرية على تصريح من وزارة المجاهدين. وهذا يعني مزيدًا من التعقيدات، فلم تكن موافقة وزارة الثقافة وحدها كافية. تقدمت بطلب إلى وزارة المجاهدين في تلك السنة، ولكن لم أحصل على رد إلا بعد ثلاث سنوات من الركض خلف البيروقراطية. حتى حصلت على الترخيص أخيرًا في أكتوبر 2013.

ما مدى أهمية إنجاز فيلم عن "العربي بن مهيدي" بالنسبة للجزائر؟

الأمر بلا شك مهم جدًا، لأنه منذ استقلال الجزائر حتى اليوم، كان هناك الكثير من التشويه لتاريخ الثورة. حتى أصبحت الثورة موضوع يستخدم للتأثير في الرأي العام. فكل جبهة تريد التأثير على الرأي العام في الجزائر; تسلط الضوء على الثورة. خصوصًا "بن مهيدي". وفي هذا الفيلم أعود إلى علاقة بن مهيدي بكل من الإسلاميين والليبراليين وحتى علاقته بالمرأة ودورها في حياته. أردت تسليط الضوء على اللغة والهوية وجمعية العلماء المسلمين وكل المواضيع التي تثير الجدل. أريد أن يكون للأجيال الجديدة نظرة أعمق عن الثورة، ليست تلك النظرة السطحية الخاصة بالصعود إلى الجبل، لأن الثورة أفكار وكفاح والكثير من الحقائق التي يجهلها الناس.

"العربي بن مهيدي" في أيامه الأخيرة

يقال إن الرئيس "عبد العزيز بوتفليقة" تدخل شخصيًا لإنقاذ مشروع فيلم "بن مهيدي"؟

أعتقد ذلك، فوزير المجاهدين كان يقول لي دائما: “أنا لا أملك السلطة، أنا في انتظار الضوء الأخضر كي أعطيك الترخيص". من كان يقصد؟ بلا شك ترخيص من الرئيس "بوتفليقة" شخصيًا. ويقال أيضًا أن "بوتفليقة" يتابع الفيلم وينتظر تاريخ عرضه. هناك أزمة ثقة بين النظام والجيل الجديد، فالنظام الجزائري لا يعرف "بشير درايس" الذي تقدم لهم بمشروع مكتوب. وهذه مفاجأة أن يمنح النظام الثقة في مخرج جديد وشاب.

لماذا اخترت التصوير في تونس؟

لديهم استوديوهات للتصوير لا نملكها في الجزائر. كما أن لديهم إمكانيات ومعدات وإكسسوار لا تملكها السينما الجزائرية. فعلى سبيل المثال، عندما احتجنا إلى ديكور يشبه مدينة "بسكرة" في سنوات الثلاثينيات لم نجد في الجزائر. فلا يوجد شارع في ولاية "بسكرة" يشبه المرحلة التي عاش فيها "بن مهيدي". لذا كان الحل الوحيد هو تونس لقرب المسافة. كما أن 90% من الأفلام الجزائرية لا يتم تصوريها في الشارع، بل يتم التصوير فقط في الأماكن المغلقة وهي المشاهد الأسهل. أو التصوير في الجبال والغابات وهي أيضًا سهلة. بينما التصوير في الشارع يكلف ميزانيات ضخمة.

يقال إن فيلم "بن مهيدي" هو أصعب تجربة في السينما الجزائرية، لماذا؟

إنه الفيلم الأكثر تعقيدًا، لأنه منذ فيلم "معركة الجزائر" لم ننجز فيلمًا بهذا التعقيد من ناحية التصوير بديكور يعود إلى خمسينيات القرن الماضي في الأسواق وغيرها. كما أنني كنت حريص على إنجاز الفيلم بشكل يليق بمستوى "بن مهيدي"، ورفضت تحديد تاريخ معين لإتمام إنجاز الفيلم.  فالمهم بالنسبة لي إنجاز فيلم جيد وليس فيلم تحت الطلب.

مشهد من الفيلم

كانت شقيقة "العربي بن مهيدي" قريبة من المشروع وتتابعه بالتفصيل. هل كان لها وجهة نظر تريد أن تظهر في الفيلم؟

 هي تؤمن بالمشروع وتدعمني لأنها تثق بي كمخرج. ورغم وجود الكثير من أعداء النجاح الذين تواصلوا معها من أجل سحب المشروع مني، إلا أنها كانت تدعمني. ولم تطلب سوى الحقيقة واحترام شخصية أخيها. حتى قصة الحب بين "بن مهيدي" مع إحدى فتيات ولاية "بسكرة" هي قصة حقيقة، فقد كان بينهما مشروع زواج لم يكتب له الاستمرار.

من هو "بشير درايس" الذي سيخرج فيلم "بن مهيدي"؟

 لقد بدأت علاقتي بالسينما في عمر 18 سنة، واليوم عمري 48 ما يعني حوالي ثلاثون سنة من الخبرة معظمها في إنتاج الأفلام والإخراج. و "بن مهيدي" هو ثاني فيلم طويل بعد فيلم"10 مليون سنتيم" عام 2006. تعاملت مع عدة مخرجين مثل "ألكسندر أركادي" و"مرزاق علواش" و "عكاشة تويته" وغيرهم. وقد تم تتويجي بجائزة مهرجان قرطاج للمنتج الأكثر نشاطًا في الجزائر. لقد جعلني الإنتاج قريبًا جدًا من الإخراج، ورغم المشكلات والأزمات; إلا أنني أكافح من أجل هذه المهنة الصعبة جدًا في الجزائر. خصوصًا في تسعينيات القرن الماضي حينما كانت الجزائر تعاني من الإرهاب والأزمات المالية مما جعل العمل في هذا المجال أكثر صعوبة; إلا أنني لم أتخل عنه أبدًا.

قد ينال إعجابكم