حوارات

 الوثائقي..متعة السينما

وسيم القربي

هي مخرجة شابّة وطموحة، إحدى الشّابّات اللواتي تحملن موهبة فكرية وتمكّنًا تقنيًا وعشقًا نابعًا من دراسة الصورة. أسماء المدير من تيّار الحساسية الجديدة لسينما الشباب بالمغرب، تحمل في رؤاها تصوّرات مغايرة للسينما النسوية المغربية. من صور طفولتها إلى ولعها بالفيلم الوثائقي ورصد الواقع، انطلقت في تجربتها لتُبرز أفكار جيل جديد... التقتها الجزيرة الوثائقية، فكان الحوار التالي:

أسماء المدير، كمخرجة شابة هل تعتقدين أنّ الدراسة في فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية هي التي أثّرت على توجّهك نحو الولع بالأفلام الوثائقية أم أنّ صور المغرب العميق هي التي جعلتك تعشقين التوثيق؟

قصّتي مع الوثائقي بدأت بصورة. حدثت معي قصة قبل سنوات حين كنت في رحلة إلى الجنوب المغربي، كنت قد التقطت صورة عادية من ضمن الصور لرجل مسنّ بقرية في الجنوب المغربي. بعد بضعة أشهر كنت أقلّب دفاتري فوجدت تلك الصورة صدفة فأعجبت كثيرًا بجماليتها حيث أحسست إن فعل الزمن قد زادها جمالية أو ربّما بفعل إعادة التأمّل، فقرّرت أن تكون صورة لملصق فيلمي الروائي الجديد. 
احترامًا لأخلاقيات استغلال الصورة عدت مجدّدًا إلى تلك القرية بحثًا عن ذلك الرّجل المسنّ لأطلب منه الإذن كي تكون صورته ملصقًا لفيلمي الجديد إلا أنّه بسفري هناك أخبرتني عائلته أنّه توفّي. استوقفتني هذه الحادثة وتيقّنت حينها أنّ الأبطال الحقيقيين هم أبطال الحياة، هم أبطال الحقيقة لأنّ ملامحهم صادقة في الواقع، خامرني حينها معنى الوثيقة، فأيقنت أنّ التوثيق هو رصد لصور من هو صادق في الحياة، فإن عاشوا فقد عاشوا بصدق وإن ماتوا فإنّهم ماتوا بصدق، فلا يعودون لتحيّة الجمهور بعد جنريك النهاية أبدًا. 
حينها قرّرت أن أسلك طريق الفيلم الوثائقي... طريق البحث عن الوثيقة والزمن. وبعد سلسلة من الاختبارات تمّ قبولي لدراسة التخصّص الوثائقي بالمدرسة الوطنية للصورة والصوت بباريس (الفيميس). وصلت إلى باريس مثقلة بالسينما الروائية خصوصًا بعد إخراجي لفيلميّ الأوّلين "الرصاصة الأخيرة" و"ألوان الصمت". 
زاد همّي بالاهتمام بالفيلم الوثائقي حينما ذهبت إلى متاحف معروفة في باريس حيث وجدت صورا مهمّة من أرشيف المغرب هناك.  نحن كشباب نحتاج ونتوق لرؤية تلك الصور التي تخصّنا نحن لكنّنا نجدها هناك. نحن كجيل جديد نحتاج لمصافحة التاريخ من أجل الإبداع في صنع المستقبل لكنّنا نفتقر إلى التوثيق في بلداننا. الذاكرة كانت هاجسًا وراء اهتمامي بصناعة الوثائقي، فإذا كان رصيدنا من الأرشيف المصوّر محدودًا فعلينا أن نصنعه نحن. أيقنت أنه يجب علينا أن نوثّق صورنا بمفردنا وأن نعود لذاكرتنا، فمن لا ذاكرة له لا مستقبل له.

حين كنت أدرس إنتاج الفيلم الوثائقي في باريس، كنت أحاول جاهدة أن أمزج بين مهاراتي في الروائي وتلك المهارات الجديدة التي اكتسبتها في صناعة الفيلم الوثائقي، فكانت النتيجة فيلم تخرّج من المدرسة بعنوان "جمعة مباركة" وهو فيلم يجمع بين الوثائقي والروائي. وقد حاز على أزيد من ستة عشر جائزة في العديد من المهرجانات الدولية، من جيبوتي إلى البرازيل. تفاجأت بتجاوب الجمهور مع قصة بسيطة لم تكلفني إنتاجيًا غير بضع دولارات استعنت بها لشراء الدمى الروسية والتي اعتمدتها كشخصيات للفيلم. سخّرت كلّ طاقتي للكتابة وبدأت حينها أعي اتجاه اختيار الشخصيات، الفرق بين شخصيات تؤجّرها للتمثيل وأخرى واقعية تسرد الواقع بإحساس دون انتظار مقابل. وهذا هو الفرق الجميل الذي يصنعه الفيلم الوثائقي حيث تصبح الكواليس في بعض الأحيان هي الفيلم نفسه. تعلّمت أيضا من خلال عملي التدريبي في الولايات المتحدة الأمريكية أنّنا لا يمكن توقّع وتسطير كل شيء في الفيلم الوثائقي، ولعلّ هدايا التصوير تزيد من متعة الإثارة. كما أنّنا نكتشف عند التوليف أبطالاً جددًا التقطتهم العدسة بعفوية ليخرجوا من العتمة ويفرضوا أنفسهم بقوة في صناعة فيلم الحياة.
 

عشقك للسينما لم يقتصر على الوثائقيات باعتبار أنك صوّرت بعض الأفلام التخييلية القصيرة مثل فيلمي "ألوان الصمت" و"دوار السوليما"، فهل ترين أنّ السينما مراوحة بين التخييل والتوثيق مهما اختلف الجنس الإبداعي؟
في البداية يجب التذكير بأنّ السينما وُلدت وثائقية مع صور الأخوين لومييرالتي تحفظها الذاكرة، وهي صور لمقتطفات من الحياة العادية مثل "وصول قطار إلى محطة سيوتا" أو “خروج عاملات من المصنع"، كما أستحضر طريقة تناول الواقع التي اعتمدها "فلاهرتي" أو "فيرتوف" على سبيل المثال، وهذه المراجع تحيل إلى أنّ السينما لغة عالمية واحدة لتوثيق الواقع. 
مع أنّي أخرجت أفلاما روائية إلا أنّ تلك الأفلام حاولت جاهدة أن تكون جلّ الشخصيات من الحياة العادية، جلّها تم انتقاءها من أمكنة التصوير ذاته. أفضّل أن اشتغل مع الشخصيات الهواة، وهذا كان نتاج دراستي بأمريكا حيث تعلمت المجازفة بالعمل مع الشخصيات العادية. 
السينما هي مراوحة بين الواقع والمخيال فما الذي يفرّق في الشاشة بين العالم الحقيقي والعالم التخييلي؟ ففي كلا الجنسين يتم التفكير مسبقًا في مكان وضع الكاميرا ويتمّ اختيار الزاوايا واللقطات. وهذا الجانب التقني كافٍ بأن يجعلنا نتيقّن أنّنا بصدد حصر جانب من الواقع، وإضفاء بعض التخييل. أعتقد أنّ المراوحة بين الواقعي والتخييلي ما هو إلا بحث عن المصداقية، غير أنّ الجنس الوثائقي يتغذّى من كواليسه التي عادة ما تصبح صورة رئيسية بعيدًا عن الصور المركّبة.

من فيلم "ألوان الصمت"

في فيلم "دوار السوليما" اقتربت عبر فيلم تخييلي إلى واقع الهامش في المغرب العميق واعتمدت على أطفال يرون الكاميرا لأول مرّة فيعشقون السينما، فكيف تعاملت معهم؟
اخترت أن يكون أبطال فيلمي هذا من أطفال البادية القاطنين بمكان التصوير، محاولة في الآن ذاته أن يكون الفيلم مرآة لفئة مهمّشة تعكس الواقع المكتوب في السيناريو، وبالتالي راهنت على أطفال هواة، بل إنّ هذه الشخصيات التي بحثت عنها في المغرب العميق لم يكن تع يومًا مفهوم الصورة. أطفال لا يعرفون عن السينما غير اسمها الذي ينطقونه بطريقتهم الخاصّة (السوليما). كنت أدرك صعوبة هذه المهمّة، فكيف يمكن لي التعامل مع شخصيات بذلك التفكير البسيط؟ وجدت نفسي أبذل مجهودات كبيرة لإقناع الطفل "إسماعيل" ليكون بطل الفيلم، وقد استغرق الأمر قرابة الشهرين حيث كنت أسافر دوريّا وأجري مقابلات معه رفقة الكاميرا الصغيرة على أمل أن يعتاد. في البداية لم أجد تجاوبًا، إلا أنّه مع مرور الوقت أصبح "إسماعيل" يسأل عني وينتظر قدومي ليلعب أمام الكاميرا، وتستفزّه هذه الآلة العجيبة ليطرح عليّ جملة من الأسئلة البريئة بفضول كبير. كان هذا الطفل بمثابة الشخصية المفتاح التي تقودني لاختيار بقية شخصيات الفيلم الذين سيشاركون بعفويتهم ليكونوا الأبطال الحقيقيين. أصبح اندماج البطل إسماعيل في كواليس صناعة الفيلم يترجم وجود سينما حقيقية بالقرية. ومن ثمّ تمّ عرض الفيلم في نفس الديكور الذي صنعناه نحن لتصوير الفيلم وسط القرية بحضور جميع سكان هذه القرية المهمّشة لتنتصر إرادة الوثائقي من خلال ترجمة الخيال عبر واقع إيجابي.  

صوّرتِ مجموعة من الأفلام لفائدة قناة الجزيرة الوثائقية، فكيف عشت هذه التجربة؟
تجربتي مع قناة الجزيرة الوثائقية بدأت منذ سنة 2011 حيث قمت بإخراج أفلام تحت إشراف شركات إنتاج مغربية لصالح القناة ثم أنتجت أفلاما مع شركتي الخاصة. الفيلم الوثائقي هو وسيط لترجمة التفكير والإبداع، وهذا ما جعلني أبحث وأجرّب أن أبدع شكلاً جديدًا بما أنّ الفرصة متوفرة مع قناة الجزيرة. تجربة العمل مع قناة مهنية متخصصة في الفيلم الوثائقي، قناة بكفاءات عالية جعلتني أركز وأدقق في اختيار أفكاري لأجد ميلا نحو القصص الإنسانية. 
تجربتي مع الجزيرة الوثائقية جعلت مني مخرجة مسؤولة لا أصوّر فقط لمجرّد التصوير، بل أفكر وأكتب في كل لقطة بالفيلم قبل أن أصوّب الكاميرا نحو الموضوع. استعملت كثيرًا مشاهد إعادة تمثيل الواقع في العديد من السلسلات الوثائقية التي أخرجتها، كما أنّ التوثيق جعلني أكتشف وطني المغرب من خلال جغرافيته وتاريخه. 

كيف تقيّمين مشاركاتك في المهرجانات التلفزيونية الوثائقية والمهرجانات السينمائية الدولية؟
في البداية كنت أعتقد أنّ مشاركتي بالفيلم الوثائقي ستكون مجرّد عبور عابر، غير أني اكتشفت منذ البدايات أنّ للفيلم الوثائقي عشاقه. مشاركتي بالمهرجانات الوثائقية حديثة العهد حيث أشارك هذه السنة أيضا في العديد من المهرجانات بفيلم "هرما" وهو فيلم تم إخراجه لصالح قناة الجزيرة الوثائقية.
إخراجي لأفلامي الروائية (الرصاصة الأخيرة، ألوان الصمت، جنة، جمعة مباركة، ودوار السوليما)، جعلني باحتكاك دائم مع المهرجانات السينمائية الوطنية والدولية حيث زرت بلدانًا عديدة حُزت خلالها على جوائز كثيرة آخرها الجائزة الكبرى لمهرجان مالمو بالسويد... وبالتالي يصبح الفيلم الوثائقي استكمالاً لنفس المسار بأدوات جديدة ورؤية مغايرة.
 

ما هي نظرتك للسينما الوثائقية المغربية؟ وحسب رأيك أين تكمن العوائق والإكراهات من أجل صعود هذه السينما؟
الفيلم الوثائقي ليس جديدًا بالمغرب والأفلام السينمائية كانت حاضرة بقوّة، فمنذ سنوات عُرضت أفلام رائعة حطّمت كل الأرقام مثل فيلم "الحال" لـ “أحمد المعنوني" الذي رصد ظاهرة فرقة "ناس الغيوان" وقد جمع بين الوثائقي والتمثيلي وأعتبره أحسن فيلم وثائقي في تاريخ السينما المغربية. أفلام "أحمد البوعناني" أيضا كانت توثّق هي الأخرى لأحداث مهمّة في تاريخ المغرب ونذكر على سبيل المثال “الذاكرة 14” وفيلم "6:12" الذي جمّع صورا لمدينة الدار البيضاء بين الساعة السادسة والساعة الثانية عشرة على طريقة "فيرتوف" فيلم "الرجل ذو الكاميرا".
هناك صحوة بالمغرب من حيث الاهتمام بهذا الجنس السينمائي حيث تمّ إحداث صندوق دعم خاص بالفيلم الوثائقي منذ سنتين، وهو نتاج لإنجاز بين وزارة الاتصال والمركز السينمائي المغربي كما أنّ تعدّد الإنتاجات حتّمت إنشاء مهرجانات خاصة بالفيلم الوثائقي.
هناك إكراهات لا مفرّ منها رغم أنّ الجنس الوثائقي بطبعه جنس قنوع، متطلباته ليست بمثل متطلبات الفيلم الروائي. لكن أظنّ أنّ العوائق التي تحول دون تقدم هذا الجنس الإبداعي تعود بالأساس إلى الدعم الذي يبقى غير كاف لتحقيق سينما كمّية ونوعية. 

 

 

المغرب يولي أهمّية كبرى للمهرجانات السينمائية التي يفوق عددها 89 مهرجانًا، فهل تعتقدين أنّ المهرجانات التي تختصّ بالوثائقي كافية؟
المغرب عوّض في السنوات الأخيرة النقص الحاصل على مستوى القاعات السينمائية التي تغلق تباعا بخلق مهرجانات وتظاهرات فنية وأيام سينمائية باتت أحد الحلول لعرض ما يتم إنتاجه. كما أنّ ظهور التقنيات الرقمية جعل المغرب تشهد طفرة مهمّة على مستوى الأفلام المنتجة.
تبقى المهرجانات التي تختصّ في الفيلم الوثائقي قليلة جدًا ويمكن حصرها في أربع مهرجانات فيخصّ كلّه السينما الروائية، لكنّ الجميل أنّه بدأ دمج الأفلام الروائية والوثائقية في مسابقة واحدة في عديد من المهرجانات وهو ما يؤكّد على صعود لافت للفيلم الوثائقي.  

كمخرجة شابّة، هل بدأت تتلمّسين أسلوبًا وثائقيًا خاصًا بكِ؟ وما هي مشاريعكِ المستقبلية؟
 منذ أن وطأت قدماي هذا المجال وأنا بصدد التجريب والبحث عن أسلوبي الخاصّ الذي سيميّز أفلامي كمخرجة. بدأت بدراسة الوثائقي وعدت للروائي، وباعتبار أن لا وجود لفروقات فيمكن القول أنّ خطواتي تميل إلى المزج بين الواقع والتخييل بشكل مراوحة سلسة تخدم أفلامي الوثائقية وإيصال الفكرة للمُشاهد. 
الآن، أنا بصدد إنهاء سيناريو فيلمي الطويل الأوّل الذي يتبنّى نفس الأسلوب; أي المزج بين الواقع والخيال، وفيه صور من أشلاء طفولتي من زاوية عفوية لطفل.
الفيلم كتبته بين السينغال وفرنسا خلال ورشات دولية للكتابة وسيُصوّر بالمغرب.

 

 

قد ينال إعجابكم

نقد سينمائي

أن أصبح ما كنته

فيلم استغرق تصويره ثماني سنوات لطفل يشعر أنه ولد في المكان الخطأ، يبحث عن ذاته ويعتقد انه معلم مختار. فما قصته؟