نقد سينمائي

اللحوم القاتلة!

قيس قاسم

كل يوم تصلنا عبر وسائل الإعلام المختلفة أخبار عن دراسات وبحوث علمية توصلت إلى أفضل السبل للحفاظ على صحتنا وعليها يتم توجيه النصائح للناس بتجنب تناول مواد أو أغذية بعينها أو التوجه إلى أخرى غيرها ولكثرتها وتناقضها أحياناً يرتبك المتلقي وربما تثير عنده ردود فعل سلبية حول تلك المصادر فلا يكترث بها. في السينما وفي حقل الوثائقي وبخاصة العلمي منه يتولد أحياناً نفس الإحساس عند مشاهدة بعض الأفلام المتناولة موضوع التغذية والصحة، وبشكل خاص تلك التي تتعارض "مضامين" ما قبلها بقوة وبعضها رغم تطرفه ينحو صوب الموضوعية والمعاندة الواعية التي تضع متناولها سينمائياً أمام مسؤولية أخلاقية وإبداعية تفرض عليه مهنياً تقديم مبررات مقنعة لطروحاته كما تفرض عليه أيضاً بذل جهود مضاعفة عند التصدى لأفكار مختلفة عن السائد كما يفعل عادة المخرج "مايكل مور".

فهو رغم "مبالغاته" لم يُضيّع في أغلب أعماله فكرته الأساسية ولم يُغيّب جوهرها السياسي، لحرصه الشديد على ربط كل ظاهرة صحية أو اجتماعية بعواملها السياسية والاقتصادية. على مستوى الأسلوب تأثر به كُثر وراحوا يقلدونه في الوقوف خلف الكاميرا وأمامها، فيما قلة غيره من الذين أخذوا ذلك الأسلوب السردي نجحوا في الحفاظ على هويتهم وخصوصيتهم من بينهم الأمريكي؛ "مورغان سبورلوك" الذي تطرف في أسلوبه وقَبِل الخضوع لتجارب مختبرية كما شاهدناه في فيلمه "سوبر سايز مي" وفيه عالج موضوع الإفراط في تناول الأطعمة السريعة وركز بشكل خاص على مطاعم "ماكدونالدز" تبعه الأسترالي "ديمون جامو" في منجزه الرائع "ذاك فيلم السُكَر"، الذي ربط فيه بين إنتاج السُكَر الصناعي والتشجيع على استهلاكه وبين توجهات الشركات الصناعية الكبرى وضمان مصالحها الكونية على حساب صحة الإنسان في كل مكان.

يكشف الوثائقي الكيفية التي تتواطأ بها مؤسسات صحية وجمعيات طبية معنية بالحد من انتشار تلك الأمراض مع منتجي اللحوم المسببة لها

أغلبية تلك الأفلام ركزت على العالم الغربي وعلى الولايات المتحدة الأمريكية بالدرجة الأولى وفيلم What the Health لـ"كيب أندرسن ومساعده كيغان كون" يجمع من كل ما أشرنا إليه؛ فهو "يتطرف" في التحذير من مخاطر استهلاك اللحوم وعلى وجه الخصوص المصنعة منها وعلى كل الإنتاج الحيواني باختلاف أنواعه، ويدعو بدلاً منها إلى التوجه نحو الأغذية النباتية بوصفها عنصراً مهماً في الحفاظ على الصحة وتقليل الأضرار البيئية. وعلى المستوى السياسي يحاول كشف التبادل المنفعي المريب بين المؤسسات الصحية الحكومية الأمريكية وشركات إنتاج اللحوم وأخلاقياً، يجد نفسه ـ مادام قد تصدى لموضوع شائك غير محسوم بالكامل على المستوى الطبي والعلمي ـ  أمام تحدي تجنب السقوط في المبالغة والتهويل.

ينطلق "ما الصحة" من مقولة الفيلسوف والطبيب الإغريقي أبقراط؛ "ليكن الطعام دواءً والدواء طعاماً" ويربطها بإحصائيات تقول؛ إن ملايين من البشر يعانون اليوم من مرض "السكري" وليبرر سبب شروعه في تجسيدها بفيلم وثائقي سيميل إلى الجانب الذاتي من الحكاية، ويحاول إقناعنا بسبب "شخصنتها" والوقوف خلف الكاميرا وأمامها وأن يصبح "راويا" ومشاركاً فعالاً في عرض تفاصيلها. فموضوع ربط كثير من الأمراض؛ كالسكري والسرطان والقلب بنوع الغذاء صار حقيقة لكن ما الجديد فيما يقدمه لنا؟. الجديد المهم فضح تواطؤ -ويا للغرابة- مؤسسات صحية وجمعيات طبية معنية بالحد من انتشار تلك الأمراض مع منتجي اللحوم المسببة لها، وتضليل المرضى والناس بمعلومات خاطئة ليصبح المنقذ ـ عملياً ـ مساهماً في جريمة يفترض أنه أول من يقوم بمنع وقوعها. على المستوى الفني سيُكرس الوثائقي كل الإمكانات المتوفرة بشرياً وتقنياً لتجسيد تلك الفكرة، التي ستأخذ عملية تجسيدها على الشاشة أساليب سرد متنوعة من الشفهية إلى المصورة بكاميرات ديجيتال متطورة أو الاستعانة بالحاسوب والرسوم التوضيحية المتحركة. لهذا يمكن وصف الفيلم؛ بالرحلة العلمية في عالم "صناعة" اللحوم وتأثيراتها المضرة على صحة الإنسان!.

يبرئ الوثائقي السكريات لوحدها من إصابة الإنسان بأمراض السكري والقلب

من تجربته العائلية عرف المخرج حقيقة؛ أن عدد المصابين من أفرادها بداء "السكري" كبير نسبياً وأغلبيتهم توّفوا بسببه أو بسبب أمراض سرطانية، لكن الذي تفاجأ به خلال رحلته مع اللحوم أن كل المعلومات المتوفرة عنده سابقاً تُحيل السبب إلى إفراطهم في تناول السكريات والتدخين وإلى قلة نشاطهم الجسماني، ولخوفه من أن يكون مصيره مثلهم تجنب تناول "الأطعمة " التي أدت إلى قصر أعمارهم؟. سيتوصل خلال بحثه إلى معلومات جديدة تقول؛ إن اللحوم ودهونها واحدة من أكثر مسببات مرض "السكري" وحسب العلماء والأطباء الذين رافقوا رحلته فإن السكريات لوحدها لا تسبب المرض، إنما الدهون والشحوم المتراكمة في الجسم وأن الحلويات والمعجنات على أنواعها لا تخلو من الدهون وهذه هي التي تجري في الدم وتسبب في زيادة الوزن، وبالتالي فنوعية الطعام وكمية ما فيه من دهون في العموم هي العامل الحاسم في صحة الإنسان وليس السكريات لوحدها.

لا يسعى الوثائقي لتبرئة السكريات بالكامل لكنه لا يقبل التواطؤ مع علماء وأطباء تشاركوا مع شركات إنتاج اللحوم وأصحابها على إحالة كل الأمراض "العصرية" إلى السُكَر وحده. للتأكد من تطابق رحلته الأولى في عالم اللحوم وتوصله إلى نتائج "مرعبة" عن مخاطرها وبخاصة المصنعة منها؛ (المقانق ،اللحوم المعلبة والمغلفة ومعالجتها بمواد كيمياوية حافظة لإبقائها صالحة للاستخدام أطول مدة ممكنة) توجه إلى بعض مراكز وجمعيات أمراض السكري الأمريكية وهناك على صفحاتها سيجد أنهم يشجعون المرضى على تناول "اللحوم" ويقترحون عليهم وجبات "صحية" لا تخلو منها!.

لا أفضلية للحوم على أخرى بحسب الوثائقي فجميعها مضر للإنسان

يُكذب الوثائقي أفضلية نوع على آخر فاللحوم المباعة في الأسواق التجارية على أنواعها (حتى البيضاء منها) تحتوي على نسب عالية من الدهون وتُحقن بمواد كيمياوية وهي المسبب الرئيس في زيادة نسبة الكولسترول الضار في الجسم. يبرأ الوثائقي والمشاركون معه النشويات (المواد الكاربوهيدراتية) فالسمنة لا تتأتي منها لوحدها دون وجود دهون تتراكم وتبقى عصية على الهضم خلال عمليات الأيض الجارية في الجسم. يُركز أيضاً ويخصص وقتاً كافياً لمنتجات الألبان ويتوصل إلى حقائق مذهلة حول احتوائها على نفس العناصر الكيمياوية المضرة المنتقلة من الحيوانات الثديية إليها ومنها طبعا ستنتقل إلى الانسان حين يتناولها وبدرجة معينة ينطبق الكلام على الأسماك أيضاً لاحتواء لحومها على كميات كبيرة من المواد الكيمياوية المنتقلة إليها من المياه ومن بقية الأسماك المتغذية عليها. سيكتشف صناع الوثائقي رهان الشركات على الدعاية وتعاون مراكز "التوعية" بالأمراض على نشرها بين المرضى وبين من يفترض أنهم سيتجنبون الإصابة بها بفضلهم. فالألبان والبيض لها نفس التأثير السلبي حين يتعلق الأمر بالكولسترول وبالتالي تسهم في الإصابة بأمراض القلب والشرايين.

مقابلاته مع قلة من الأطباء المشرفين عليها تعري حقيقتهم فأغلبيتهم يرفض الربط بين الشحوم وبين أمراض السكري والسرطان والقلب ويتهربون من الإجابة على الأسئلة المتعلقة بها. يعطي امتناع المؤسسات وتهربهم من مقابلة صناع الوثائقي فكرة عن خوفهم من كشف الحقائق للناس. فالدعاية المظللة وخلق حالة الارتباك المتعمد وسيلتهم للحفاظ على مصالحهم الشخصية. خلال البحث والتقصي سيجد أن شركات لحوم عملاقة وضعت استراتيحية دعائية جوهرها "إرباك المستهلك" فهي لا تنفي حقيقة ما تحتوتيه منتجاتها من سموم لكنها تلجأ إلى نشر دراسات أخرى تقلل من مخاطرها، ليضيع المستهلك في دوامة معلومات متضاربة وبالتالي يستمر في شراء بضاعتهم. وعلى مستوى أوسع تخدم المنتجات وما تسببه من أمراض أصحاب شركات صناعة الأدوية العملاقة، فتلك ليس لها مصلحة في خلو البشر من الأمراض بل على العكس ثمة تشجيع غير مباشر من قبلها على إنتاج المزيد من المواد الغذائية غير الصحية وتكشف الهبات المالية المقدمة إلى مسؤولي المؤسسات المعنية بالحد من الأمراض وتجاهل موظفين حكوميين يعملون في حقل الصحة لما تعرضه على مرضاها من توجيهات ونصائح عكسية، حجم الفساد في ذلك القطاع. لا يتجاهل الوثائقي الآثار التدميرية لصناعة اللحوم على البيئة ويحيل نسبا عالية منها على شركات تربية الأبقار بوجه خاص لاستهلاكها كميات كبيرة من المياه والأعشاب وإطلاقها غازات تخل بتوازن الغلاف الجوي المحيط بالأرض وتسبب فضلاتها في تلوث المياة الحلوة.

يكشف الوثائقي عن وجود ممثلين للحكومة ولمؤسساتها الصحية في مجالس إدارة كبريات شركات إنتاج اللحوم وأن المنظمات الطبية التابعة لها تتلقى دعماً من نفس تلك الشركات

زيارته إلى منطقة في ولاية كارولينا تبين حجم الأضرار البيئة لتسريبات مزارع تربية الأبقار على سكانها وبيئتهم. أغلب الساكنين قربها والعاملين فيها أصيبوا بداء الربو أو بنوع من أنواع السرطانات. حالتهم تثير الحزن لأن أغلبيتهم من العمال الفقراء وبسبب فقرهم يضطرون للعمل في تلك المزارع وبعد عدة سنوات يتركونها وقد تدهورت حالتهم الصحية. المفارقة الكبرى أن الحكومة الأمريكية ومؤسساتها هي جزء من الكارثة الصحية والبيئية. لا تعارض منتجيها ولا تقدم على محاسبتهم بعد أن صار الكثير من كبار موظفيها أعضاء فيها. يعرض الفيلم عددا من الحالات التي تفضح وجود ممثلين للحكومة ولمؤسساتها الصحية في مجالس إدارة كبريات شركات إنتاج اللحوم وأن المنظمات الطبية التابعة لها تتلقى دعماً من نفس تلك الشركات وبالتالي يخضعون ويتوافقون مع توجهاتها بالكامل ويسكتون على حقائق يعرفونها جيداً. تسجل كاميرات الوثائقي سراً اجتماعا لمجلس إدارة "مكدونالدز" يظهر فيه أحد استراتيجي مبيعاتها وهو يقترح مضاعفة كمية الأجبان إلى بعض الوجبات وعلى الفور يلقى اقتراحه موافقة ممثلي الحكومة الذين من المفترض أنهم يمثلون حكومة تدافع عن مصالح الناس.

لا يتنازل الوثائقي الأمريكي المثير للجدل عن حقه في تثبيت وجهة نظره فيذهب للتحري عن حقيقة البروتينات الحيوانية وترسيخ ذهن الناس بـ"حقيقة" عدم إمكانية تخلي أجسادهم عنها وإلا تعرضت صحتهم للخطر. سيثبت العكس تماما فالبروتينات النباتية كافية لصحة وبناء جسم الانسان. للبرهنة على ذلك يأخذنا في رحلة مشوقة إلى الغابات البرية ليعرض علينا أسلوب تغذية أكبر الحيوانات حجماً على وجه البسيطة مثل؛ الفيلة والغوريلا وغيرها.  تعتاش كلها على النباتات ومنها تستحصل أبدانها على البروتين الضروري لنمو عضلاتها أما الحيوانات آكلة اللحوم فيتوافق تكوين أجسامها مع حاجاتها الغذائية على عكس الإنسان فهو متعدد التغذية بالفطرة، ولإبطال أكاذيب الدعاية "العلمية" يقابل الوثائقي مجموعة من الأبطال الرياضيين العالميين اعتمدوا في غذائهم على النباتات والخضروات ويتمتعون بصحة جيدة ويحطمون الأرقام القياسية.

لا يُغلب الوثائقي نوعا على آخر بالمطلق، لكنه يحرص على كشف خداع مؤسسات صحية وتواطؤ علماء مع شركات تنتج سموماً غذائية قاتلة للبشر وتسعى مع ذلك إلى ترسيخ قناعات وهمية بضرورة الاستمرار على تناولها وبتزكية جهات عليها عمل العكس وحسب الخلاصة النهائية فإن دور "خونة المهنة" يشبه دور الشرطي الفاسد أو كما يختصره الوثائقي بمثال من يتوجه إلى صاحب شركة تصنيع تبغ وسجائر ويطلب منه نصيحة الناس بالامتناع نهائيا عن التدخين!.

 

 

قد ينال إعجابكم

متابعات

المخرج الخفيّ

في كل كارثة إنسانيّة، ما عليهم إلا أخذ تصريحات المسئولين قولًا واحدًا وفردها بنشابة مناسبة لتصير فيلمًا وطنيًّا يلعب...