نقد سينمائي

الحرب العالمية الإلكترونية القادمة

محمد موسى

ستكون الحرب العالمية الثالثة إلكترونية. أو أنها ستبدأ على أي حال إلكترونية قبل أن تتدخل الجيوش والطائرات لتحسم نهاياتها. هذه خلاصة ما يُحذرنا منه الفيلم التسجيلي (Zero Days)، جديد المخرج الأمريكي المعروف أليكس غيبني، أحد أبرز كاشفي الحقائق الخفيّة وغير المريحة في السينما التسجيلية الأمريكية في العقدين الأخيرين، والذي يرفض المساومة في أفلامه، ويقارب قضاياه مدفوعاً بالتزام صارم بإظهار الواقع كما هو، ومُسلحاً بمثل أخلاقية مستلهمة من أمريكا قديمة ومثالية ومن السويّة الإنسانية. يطلق "غيبني" في فيلمه الأخير هذا، صيحة الإنذار التسجيلية الأولى عن الحروب الالكترونية غير الشرعية، والتي تأتي ملفوفة باليأس، إذ ربما فات وقت المراجعات الذاتية، بعد أن خرجت الوحوش الإلكترونية من دهاليزها، وتنتظر اليوم إشارة الانطلاق لتدمر المدنية الحديثة.

يتبع الفيلم الرحلة التي قطعتها فيروسات إلكترونية في منتصف العقد السابق من الولايات المتحدة إلى أهدافها في إيران، ونجحت في إلحاق دماراً كانت الماكينة العسكرية الأمريكية غير قادرة ولأسباب سياسية على التورط فيه أو تحمل عواقبه. فالفيروسات التي تحمل اسم "ستكسنت" (Stuxnet) وصلت وضمن خطة ذكية للغاية إلى المفاعل النووي الإيراني الشديد السريّة، لتتحكم بأجهزته عن بعد، ولتبدأ بعدها نشاطها التدميري بتفجير الأجهزة الإلكترونية من الداخل وسط ذهول الإيرانيين الكبير. ستكمل هذه الفيروسات عملها بكشف معلومات عن علماء نوويين إيرانيين، سيتم اغتيال بعضهم في إيران في وضح النهار، هذا كله رغم أن المفاعل النووي الإيراني لم يكن مُتصلاً بشبكة الإنترنت، الواسطة الشائعة لانتقال الفيروسات الإلكترونية، إذ إنها وصلت إلى الأجهزة الإلكترونية في المفاعل النووي عن طريق جواسيس إيرانيين متعاونين مع الولايات المتحدة.

شهادة واحدة، سترويها امرأة تم التلاعب إلكترونيا بصورتها حتى لا يتم التعرف عليها

لم يُوافق مسؤول أمريكي واحد على الحديث للفيلم عن الحرب الإلكترونية ضد إيران. هذا ليس غريباً فالحكومة الأمريكية لا تريد أن تفتح أو تخوض بالمرة في هذا الملف المحرج. لكن المخرج بسمعته المعروفة سيجمع شخصيات ومعلومات كافية عن القضية، حينا من خبراء إلكترونيين مستقلين، وأحيانا أخرى من أعضاء سابقين أو حاليين في أجهزة أمنية أمريكية لم يرغبوا الكشف عن هوياتهم، وتحدثوا للفيلم عن قلقهم من تصرفات الحكومة الأمريكية غير القانونية، فبالإضافة إلى ما قامت به في المفاعل النووي الإيراني، يقال إن هناك خططاً جاهزة لتدمير وشلّ حياة مرافق الخدمات في إيران (وربما في دول أخرى)، في حالة وصل الصراع معها إلى نقطة اللاعودة.

يأخذ الفيلم حادثة المفاعل الإيراني نموذجاً للحرب الإلكترونية غير الشرعية، فالحكومة الأمريكية التي ساعدت في بناء البرنامج النووي الإيراني، والذي بدأ أثناء حكم حليفها الشاه في سبعينيات القرن الماضي، ستجد نفسها عاجزة عن وقف هذا البرنامج في العقد الأخير، وبالخصوص مع تفاقم ورطتها في احتلال العراق، وبدل أن توجه أسلحتها المباشرة إلى إيران أو تترك حليفتها إسرائيل تقوم بذلك، نفذت خطة تدمير المفاعل عن بعد. والتي نجحت على نحو مذهل، ساعد في ذلك أن النظام الإيراني ارتكب أخطاءً كبيرة، فالصور الفوتوغرافية التي نشرها من داخل المفاعل لزيارة الرئيس السابق أحمدي نجاد، سيتم تحليلها ودراستها ملياً في الولايات المتحدة، إلى الحد الذي تم فيه قراءة ما كانت تعرضه شاشات الكمبيوترات في تلك الصور، علاوة على نجاحها بتسمية العلماء الإيرانيين، والذي سيقود إلى تصفية بعضهم في إيران نفسها.

يكشف الفيلم أن تكنولوجيا المعلومات التي طُوّرت في الولايات المتحدة سرعان ما سيتم سرقتها من إسرائيل، حليفها الأمني في الشرق الأوسط، وستنتقل بعدها وبطرق غير معروفة إلى روسيا. كما أن إيران نفسها ستتعلم كثيراً من الدرس القاسي، وستنشأ الجمهورية الإسلامية أول جيش للقراصنة الإلكترونيين، والذي سيضرب قبل سنوات بقسوة كبيرة أكبر شركة بترول سعودية ويقضي على نظامها الإلكتروني، كما سيصل تأثير القراصنة الإيرانيين إلى الولايات المتحدة نفسها، كونه سيقوم بالعبث وتدمير أنظمة إلكترونية لأشهر البنوك الأميركية. في حادثة تطلق أسئلة عن جدوى ما قامت به الولايات المتحدة، إذ إن إيران، لم تكتف فقط باستعادة تشغيل المنشآت النووية التي دمرت عن بعد، بل طورت قدراتها الإلكترونية، والتي تشبه اليوم جبل الثلج العائم، تظهر منه قمته فقط، ولا أحد يعرف حجمه أو قدراته.

ستكون الحرب العالمية الثالثة إلكترونية. أو أنها ستبدأ على أي حال إلكترونية قبل أن تتدخل الجيوش والطائرات لتحسم نهاياتها

يجمع المخرج الكثير من المعلومات المهمة والتي كان الوصول إليها صعبا كثيراً، وسيستعين بها لرسم وشرح عالم شديد التعقيد ويحيطه الكتمان. كما أنه يقدم بموازاة شهادات خبراء التكنولوجيا وشهادات أمريكيين عملوا في أجهزة أمنية واختاروا عدم الكشف عن هوياتهم، شهادات أخرى عن النشاط السياسي للحكومة الأمريكية، ذي العلاقة بالنشاط الإلكتروني غير الشرعي، وهو النشاط الذي يزعم البعض أن التخطيط له بدأ بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، وتواصل في سنوات حكم أوباما، الذي رغم نفيه القاطع لممارسات من هذا النوع، كان راضياً عن سير الخطط الإلكترونية الأمنية.

يعثر المخرج على طريقة لتقديم شهادات الأمريكيين الذين لم يشاؤوا الظهور في الفيلم، فيجمعها في شهادة واحدة، سترويها امرأة تم التلاعب إلكترونيا بصورتها حتى لا يتم التعرف عليها، ويتألف وجهها من أجزاء صغيرة متحركة تقترب من لون النار الأحمر. ستطول شهادة المرأة تلك وتتفرع، وستنتقد في جزء منها بقسوة السلطات الإسرائيلية، إذ إن الأخيرة خانت كل الاتفاقيات الأمنية مع الولايات المتحدة. وعندما يقترب الفيلم من نهايته، تختفي المؤثرات الصوتية في مشهد ممتاز، ويظهر وجه المرأة الحقيقي، وتكشف حينها أنها ممثلة استُأجرت لتكون صوت كل الخائفين الذين لم يجرؤوا على إظهار وجوههم أو الكشف عن هوياتهم الحقيقية.

الفيروسات دخلت المفاعل النووي الإيراني الشديد السريّة، لتتحكم بأجهزته عن بعد، ولتبدأ بعدها نشاطها التدميري بتفجير الأجهزة الإلكترونية من الداخل وسط ذهول الإيرانيين الكبير.

عُرض فيلم  (Zero Days)العام الماضي، وقبل المزاعم الأخيرة عن تورط روسيا في نتائج الانتخابات الأمريكية الأخيرة لصالح دونالد ترامب، وما أعقبها من أخبار عن وجود قوة إلكترونية روسية ضاربة تتدخل متى تشاء في أي بقعة من العالم. من شأن هذه التطورات الأخيرة أن تمنح الفيلم أهمية مضاعفة، إذ إنه لا يكتفي باستشراف المستقبل، بل تحول ببحثه الموسع، والمعلومات التاريخية التي يجمعها إلى ما يشبه المرجعية لهذا النوع من الأعمال، ووثيقة لا غنى عنها للراغبين في التعرف على هذه القضية الشديدة الحساسية والخطورة، فالهجمات الإلكترونية كما يُخطط لها كفيلة بشلّ مطارات ومستشفيات، ويمكن أن توجه قطارات خارج السكك التي تسير عليها لكي تتصادم ببعضها، وكما قد تصل الهجمات إلى محطات كهربائية لكي توقفها.

لا يظهر المخرج أليكس غيبني في أفلامه، بيد أن حضوره، وأسئلته الحادة الملحة، والشكل الرصين للبناء والصورة المقدمة، ونوعية الضيوف، أضحت عناصر أساسية في أعمال هذا المخرج المتميز دائماً. يملك صاحب "تاكسي إلى الجانب المظلم"، حساسية رائعة للمواضيع الآنية المثيرة، ويسبق الجميع في مقاربتها. بيد أنه لا يكتفي في المعالجات السريعة المتعجلة، إذ إن أفلامه تصنف تحت فئة التحقيقات الرصينة غير المنحازة، والتي لا تُضيع بوصلتها الأخلاقية رغم المناخ العام المعقد السائد. فلا فروقات كبيرة بين أسلوب المخرج عندما يحقق في التعذيب الذي تعرض له عراقيون وأفغان في فيلمه "تاكسي إلى الجانب المظلم"، أو عندما فتح ملف موقع ويكيليكس، في فيلمه "نحن نسرق الأسرار: قصة ويكيليكس".

 

 

قد ينال إعجابكم